في مشهد سياسي لم يكن مفاجئاً للمراقبين في منطقة القرن الأفريقي، أعلنت وزارة الداخلية في جمهورية جيبوتي، السبت الماضي، النتائج النهائية لعملية الاقتراع الرئاسي، مؤكدة فوز الرئيس المنتهية ولايته إسماعيل عمر جيله بولاية سادسة مدتها خمس سنوات. وبنسبة بلغت 97.81% من أصوات الناخبين، يثبت جيله موقعه كأحد أطول الحكام بقاءً في السلطة في القارة السمراء، حيث يقود البلاد منذ عام 1999، ليدخل الآن عقداً جديداً من الحكم في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
أرقام الصناديق.. سباق الطرف الواحد
أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن اللجنة الانتخابية ووزارة الداخلية أن انتخابات جيبوتي 2026 لم تشهد منافسة حقيقية بالمعنى التقليدي؛ حيث واجه جيله مرشحاً وحيداً هو محمد فرح سمتر، الذي لم يحصد سوى 2.19% من إجمالي الأصوات (ما يعادل قرابة 3,680 صوتاً من أصل 168,233 صوتاً تم الإدلاء بها). ورغم أن الرئيس جيله كان قد صرح في مقابلة سابقة مع هيئة الإذاعة البريطانية عام 2022 بأنه ينوي اعتزال العمل السياسي بنهاية ولايته الخامسة، إلا أن التطورات الدستورية التي جرت في نوفمبر الماضي قلبت الطاولة؛ حيث أقر البرلمان تعديلاً أزال الحد الأقصى للسن القانوني للمرشحين (الذي كان محدداً بـ 75 عاماً)، مما منح الضوء الأخضر للرئيس البالغ من العمر 78 عاماً لخوض غمار المنافسة مجدداً.
إقرأ كذالك: يوم الجيش الصومالي.. 66 عاماً من الفداء في رحلة استعادة السيادة وبناء الهيبة

المعارضة والمقاطعة.. شرعية محل تساؤل؟
على الجانب الآخر، لم تمر انتخابات جيبوتي 2026 دون انتقادات لاذعة من جبهة المعارضة التي اختارت المقاطعة الشاملة كأداة للتعبير عن رفضها. ويرى قادة المعارضة، ومن بينهم السياسي المعروف داهر أحمد، أن العملية الانتخابية تفتقر لأدنى معايير النزاهة والشفافية. وفي تصريحات صحفية، أكد المعارضون أن المناخ السياسي في جيبوتي لا يسمح بظهور منافسين حقيقيين، وأن استمرار جيله في السلطة لأكثر من ربع قرن يمثل تراجعاً في المسار الديمقراطي وتكريساً لحكم الفرد. هذه المقاطعة أدت، بحسب المحللين، إلى رفع نسبة فوز جيله إلى هذا الحد القياسي، لكنها في الوقت ذاته تضع تحديات أمام الشرعية الشعبية في نظر المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية.
قد يهمك: استهداف الرئيس الصومالي في بيدوا وكواليس النجاة
جيبوتي.. واحة في محيط مضطرب
تكتسب نتائج انتخابات جيبوتي 2026 أهمية تتجاوز حدود الدولة الصغيرة جغرافياً والكبيرة استراتيجياً. ففي ظل الانهيار الأمني في الصومال المجاور، والنزاع المستمر في اليمن عبر مضيق باب المندب، والتوترات في إثيوبيا، نجح جيله في تسويق نفسه كـ صمام أمان للمنطقة. هذا الاستقرار النسبي جعل من جيبوتي مقراً لقواعد عسكرية دولية متنافسة (أمريكية، فرنسية، صينية، ويابانية). وتعتبر القوى الغربية أن بقاء جيله في السلطة هو “شر لابد منه” لضمان استمرار الملاحة في خليج عدن ومكافحة الإرهاب، مما يفسر الانتقادات الغربية الهادئة أو المنعدمة تجاه ملف حقوق الإنسان وتداول السلطة في البلاد.

الجسر الصيني والطموح الاقتصادي
خلال فترات حكمه السابقة، استطاع إسماعيل عمر جيله تحويل جيبوتي إلى منصة لوجستية عالمية، مستفيداً من الاستثمارات الصينية الضخمة في الموانئ والسكك الحديدية. وفي هذه الولاية الجديدة التي بدأت مع انتخابات جيبوتي 2026، يراهن الرئيس على استكمال مشروعه بجعل جيبوتي دبي أفريقيا، وهو وعد انتخابي يتطلب موازنة دقيقة بين الديون المتراكمة للصين وبين الحاجة الماسة لخلق فرص عمل لآلاف الشباب الجيبوتيين الذين يعانون من البطالة رغم النمو الاقتصادي المسجل على الورق.
تعرف المزيد على: كيف تغير غارات جوية في الصومال موازين القوى ضد حركات الإرهاب؟
تحديات الولاية السادسة
لن تكون السنوات الخمس القادمة نزهة للرئيس جيله؛ فإلى جانب الأزمات الاقتصادية العالمية وتكاليف المعيشة المرتفعة التي أرهقت كاهل المواطن الجيبوتي، تبرز قضايا أمنية مثل نشاط الجماعات المسلحة في المنطقة وأزمة الملاحة في البحر الأحمر. كما أن ملف خلافة الرئيس سيظل حاضراً بقوة خلف الكواليس، خاصة مع تقدمه في السن وغياب شخصية توافقية لخلافته حتى الآن، مما يجعل من استقرار جيبوتي معلقاً بشخص الرئيس أكثر من المؤسسات.

تبقى جيبوتي أمام مفترق طرق؛ فإما أن تستغل هذه الولاية الجديدة لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية تضمن انتقالاً سلمياً للسلطة مستقبلاً، أو أن تستمر في نهج الاستقرار القسري الذي قد يواجه هزات اجتماعية إذا لم يلمس المواطن العادي ثمار المشاريع الاستراتيجية الكبرى.






