الدستور هو القانون الأعلى والأساس في الدولة، يحدد نظام الحكم، وينظم السلطات الثلاث وصلاحياتها، لكن في الصومال الوضع مختلف دائماً، فهل يتيح دستور الصومال المعدل للحكومة الفيدرالية بالتدخل في شؤون الولايات الإقليمية؟، هذا ما سنتعرف عليه فيما يلي.
أثار استيلاء الحكومة الفيدرالية الصومالية على ولاية بيدوا وتعيين إدارة مؤقتة في ولاية الجنوب الغربي جدلاً دستورياً حاداً، حيث استند مؤيدو الحكومة إلى بنود معدلة حديثاً، بينما يرى قادة المعارضة أن هذه الخطوة تنتهك القوانين الفيدرالية وقوانين الولاية على حد سواء.
القوات الفيدرالية تستولي على بيدوا
استولت القوات الفيدرالية، بدعم من قوات متحالفة مع جماعات المعارضة في الجنوب الغربي، على بيدوا بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الإقليمية. استقال رئيس الجنوب الغربي، عبد العزيز حسن محمد لفتاغارين، في 30 مارس/آذار، وسافر لاحقاً إلى نيروبي. وعيّن رئيس الوزراء حمزة عبدي بري نائبه الثاني، جبريل عبد الرشيد حاجي عبدي، رئيساً مؤقتاً للولاية.
أثار هذا التدخل تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الحكومة الفيدرالية تملك السلطة القانونية لتولي زمام الأمور في ولاية عضو في الحكومة الفيدرالية وتعيين إدارة انتقالية من خلال دستور الصومال المعدل.

هل دستور الصومال المعدل يسمح للحكومة بالتدخل في الولايات؟
صرح مختار محمد غوليد، وهو مشرّع فيدرالي يؤيد التدخل، بأن المادتين 73 و75 من دستور الصومال المعدل تجيزان العمل الفيدرالي في ظروف استثنائية.
وقال غوليد، في تصريحات صحفية لـBBC، إن الدستور المعدل، المادة 73، الفقرة الأولى، والمادة 75، الفقرة الأولى، يسمح للحكومة الفيدرالية بالتدخل في حال وجود تهديد لأمن البلاد وسلامتها واستقلالها، وفي حال وجود تهديد مُحتمل لسكان تلك المناطق”.
وأشار غوليد إلى أن جنوب غرب البلاد قد انزلق إلى حالة من عدم الاستقرار، مستشهداً بانشقاقات على مستوى المقاطعات ومواجهات مسلحة.
تعرف المزيد على: استهداف الرئيس الصومالي في بيدوا وكواليس النجاة
وقال: “اندلعت انتفاضة سياسية ومدنية وعسكرية”، في إشارة إلى التطورات في مقاطعات بورهاكابا، وقانساهدير، وهودور، وواجد، وباردالي، تلتها اشتباكات في بيدوا. وأضاف أن هذه الأحداث خلقت ظروفاً دفعت الإدارة إلى إعلان قطع علاقاتها مع الحكومة الفيدرالية. وأوضح أن المادة 73 تُجيز للحكومة الفيدرالية اتخاذ إجراءات عندما يكون الأمن القومي أو السلامة الإقليمية في خطر، وعندما تواجه ولاية إقليمية ظروفاً لا تستطيع التعامل معها بمفردها.
لكن النقاد يشككون في مدى انطباق دستور الصومال المعدل وشرعيته في هذه الحالة.
أكد البروفيسور عبدي إسماعيل سماتار، عضو مجلس الشيوخ، أنه لا يجوز تطبيق القوانين بأثر رجعي على المسؤولين الذين تولوا مناصبهم قبل اعتماد تلك التعديلات.
وقال: “عندما يُسنّ قانون ويُعدّل، لا يجوز تنفيذه من قبل أشخاص شغلوا مناصب قبل ذلك التاريخ. ليس من المقبول في أي مكان في العالم الحكم على إجراءات اتُخذت قبل وجود قانون جديد باستخدام ذلك القانون الجديد”.
كما انتقد سماتار نشر القوات الاتحادية في بيدوا، مشيراً إلى أن إجراء مشاورات أوسع مع ممثلي البرلمان، ولا سيما ممثلي المناطق المتضررة، كان من شأنه أن يمنع التصعيد.

التطبيق العملي لا يزال محل جدل
وأقر المحلل السياسي محمد مختار إبراهيم، بأن دستور الصومال المعدل يتضمن بنوداً تسمح بالتدخل الاتحادي، لكنه قال إن التطبيق العملي لا يزال محل جدل.
وتابع مختار: “المادة موجودة في الدستور المعدل، لكن لم تُمنح الحكومات الإقليمية فرصة لتكييف دساتيرها بما يتوافق معه”.
وأضاف أن عدم مواءمة الأطر القانونية الاتحادية والإقليمية يُنذر بتفاقم الصراع المؤسسي.
يزداد الوضع تعقيداً بسبب الغموض الذي يكتنف دستور جنوب غرب الصومال. إذ ينص الدستور على تولي نائب الرئيس السلطة في حال استقالة الرئيس، إلا أن جنوب غرب الصومال لم يكن لديها نائب رئيس عند رحيل لافتغارين.
اقرأ كذلك: الحكومة الصومالية الفيدرالية تتطلع للسيطرة على دولو بعد بيدوا
وقال إبراهيم: “فيما يخص جنوب غرب الصومال، لم يكن منصب نائب الرئيس قائماً. وبما أن كلاً من الرئيس ورئيس البرلمان قد تركا منصبيهما، فإن مسألة الخلافة الدستورية غير واضحة”.
وقد رفض قادة المعارضة التدخل الفيدرالي رفضاً قاطعاً، وكذلك دستور الصومال المعدل.
ووصف مجلس مستقبل الصومال تعيين رئيس مؤقت بأنه غير دستوري، وحذر من أنه يقوض النظام الفيدرالي. وقال رئيس الوزراء السابق عمر عبد الرشيد علي شرماركي إنه لا يوجد أساس قانوني لاستبدال إدارة ولاية عضو في الحكومة الفيدرالية بسلطة انتقالية تابعة لمقديشو.

هشاشة الإطار الفيدرالي المتطور في الصومال
وقال النائب الفيدرالي وزعيم المعارضة عبد الرحمن عبد الشكور ورسمي إن دستور جنوب غرب الصومال ينص على إجراء انتخابات رئاسية جديدة في غضون 30 يوماً من الاستقالة.
وأضاف: “لا يوجد أي أساس قانوني على الإطلاق يسمح للحكومة الفيدرالية بالسيطرة على الولاية أو إدارتها”.
قد يعجبك: منطقة بونتلاند الصومالية.. ماذا يحدث هناك في الوقت الحالي؟
يسلط هذا النزاع الضوء على هشاشة الإطار الفيدرالي المتطور في الصومال، حيث تتقاطع التعديلات الدستورية والاستقلال الذاتي الإقليمي والمخاوف الأمنية بطرق لم تُحسم بعد. ومع تباين التفسيرات القانونية، قد تصبح قضية الجنوب الغربي اختباراً حاسماً لكيفية توازن السلطة بين مقديشو والولايات الأعضاء في الحكومة الفيدرالية.






