يعتبر جفاف الصومال الكارثي، واحداً من أسوأ الأمور في مدينة بيدوا، في ولاية جنوب غرب الصومال، حيث أن الملايين من الناس يواجهون خطر المجاعة الحقيقة في 2026.
ووفقاً لأدان عدن عبدي، أحد قادة المخيمات الفرعية التي تضم حوالي 50 شخصاً، هناك حاجة ماسة إلى الغذاء والماء، حيث نزح آلاف الأشخاص من المناطق الريفية إلى مخيمات مثل مخيمه وسط جفاف الصومال الكارثي.
وقال: “الوضع في جميع هذه المخيمات واحد وسط جفاف الصومال الكارثي: المعاناة شديدة، والناس يعانون من الجوع والعطش الشديدين”. وأضاف أن العائلات تعيش يوماً بعد يوم دون طعام للطهي، وأن العمل الوحيد المتاح حالياً هو التوجه إلى أعماق الأدغال لجمع الحطب لبيعه في السوق.
وأشار إلى شاحنة مياه وصلت لتوها من مؤسسة جوبا، وهي منظمة غير حكومية محلية، قائلاً: “الماء الذي استلمناه اليوم هو المساعدة الوحيدة التي رأيناها. وكما ترون الآن، يتنافس الناس للحصول على الماء من شاحنات المياه”.
قصة عبدي – والتي جُمعت ونُشرت على صحيفة الإندبندنت عبر منظمة ميرسي كوربس غير الحكومية – هي واحدة من قصص عديدة انبثقت من كارثة إنسانية ناجمة عن تغير المناخ اجتاحت الصومال هذا العام، بعد أن ضربت البلاد موسمان مطريان فاشلان متتاليان.
جفاف الصومال الكارثي في 2026
يواجه ما يُقدّر بنحو 6.5 مليون شخص في البلاد حالياً مستويات جوع “حرجة” أو أسوأ، بزيادة قدرها 1.7 مليون شخص منذ يناير/كانون الثاني. وبينما لطالما عانت الصومال من شح المياه، فإن النمط الحالي للجفاف الذي يضربها كل سنتين أو ثلاث سنوات لا مثيل له.
أوضح عبدياكي عينتي، مدير قسم المناخ والأمن الغذائي في مكتب رئيس الوزراء الصومالي: “أصبح الجفاف نمطاً مستمراً في الصومال على مدى الثلاثين عاماً الماضية، مما أدى إلى تآكل قدرة المجتمعات والمؤسسات على الصمود. في الماضي، كان الجفاف يتركز في مناطق معينة. أما اليوم، فهو ينتشر في أجزاء أوسع بكثير من البلاد، بما في ذلك مناطق لم تكن معرضة للجفاف تقليدياً”.
بالنسبة لنورتا سيدو قاسم، البالغة من العمر 22 عاماً، أدى الجوع الشديد إلى فقدانها طفلتها التوأم الرضيعة، خديجة. بعد إصابتها بسوء التغذية، نُقلت خديجة إلى المستشفى، لكن العلاج لم يكن كافياً: “أعطاني الطاقم الطبي أقراصاً وشراباً وأملاحاً لمعالجة الجفاف”، حسبما قالت نورتا، وأضافت: “لكن قبل أن أبدأ العلاج، فارقت الحياة”.
الآن، تخشى نورتا على حياة توأمها الناجي، محمد، الذي لا يزال ضعيفاً، والذي تُطعمه الشاي الأسود وأحياناً الحليب المجفف بسبب نقص الغذاء. قالت: “الأطفال يعيشون في ظروف صعبة للغاية، نحن بحاجة ماسة للمساعدة. نحتاج إلى كل شيء”.
كما ساهمت تخفيضات التمويل من شركاء المعونة الدوليين، والتي أدت إلى تلبية 29% فقط من متطلبات التمويل الإنساني العام الماضي، في تفاقم الأزمة الحالية.
من المتوقع خفض المساعدات البريطانية بشكل أكبر في الأشهر المقبلة بعد أن أغفلت الحكومة الصومال إدراجها ضمن قائمة الدول التي ستُحفظ مساعداتها خلال برنامج خفض المساعدات. كما خفضت الولايات المتحدة تمويلها للصومال، حيث لم تتجاوز المساعدات الإنسانية المقدمة 3 ملايين دولار (2.3 مليون جنيه إسترليني) خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، مقارنةً بـ 462 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.

قال علي محمد عمر، وزير الدولة للشؤون الخارجية الصومالي، إن خفض المساعدات أمرٌ مثير للقلق البالغ في وقت لا تزال فيه الهشاشة مرتفعة، في ظل جفاف الصومال الكارثي. تعمل الحكومة الصومالية على تعزيز أنظمة الاستجابة الوطنية للكوارث وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية. لكن حجم الصدمات المناخية يعني أن استمرار الشراكة الدولية يبقى ضرورياً.
تعرف المزيد على: جفاف الصومال في 2026.. مرحلة حرجة في ظل نقص المساعدات
حرب الشرق الأوسط تُفاقم المشاكل
أكدت مصادر حكومية أنه من المتوقع تجنب المجاعة في الصومال في الوقت الراهن رغم جفاف الصومال الكارثي، وذلك بفضل الأمطار الغزيرة المتوقعة في أواخر الربيع، بالإضافة إلى التنسيق الفعال بين السلطات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية لتحديد أولويات احتياجات الفئات الأكثر احتياجاً.
لكن الخبراء يُصدرون الآن تحذيرات شديدة اللهجة من أن التحديات التي تواجهها الصومال في تلقي المساعدات الخارجية التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص ستتفاقم بشكل كبير بسبب الحروب الدائرة في لبنان وإيران.
بعض هذه الآثار ملموسة، حيث صرّح برنامج الأغذية العالمي بأن تأخيرات سلاسل الإمداد الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز وميناء صلالة العماني قد أدت بالفعل إلى تعطيل تدفقات المساعدات إلى الصومال بشكل كبير، وهي دولة تعتمد على الواردات لتأمين 70% من إمداداتها الغذائية.
ورغم إعادة فتح المضيق والميناء، يحذر الخبراء من أن تعافي التجارة الإقليمية والأسعار سيستغرق شهوراً عديدة.
وقد تضاعفت أسعار الوقود في الصومال أكثر من مرتين في غضون أيام من بدء الحرب، بينما ارتفعت أسعار بعض الحبوب الأساسية بنسبة تصل إلى 40% مقارنةً بالعام الماضي. كما شهدت شحنات المواد الغذائية والطبية والصحية الأساسية تأخيرات كبيرة، وهناك مخاوف بالغة بشأن اعتماد الصومال بنسبة 30% على واردات الأسمدة من دول الخليج.

حذّرت تجادا دويين ماكينا، الرئيسة التنفيذية لمنظمة ميرسي كوربس، قائلةً: “لا يمكن احتواء مثل هذه الصراعات. فعندما تتعطل أسواق الوقود والأسمدة، تنتشر آثارها بسرعة في جميع أنحاء النظم الغذائية، وأول من يتأثر بها هم العائلات في الدول الهشة التي كانت تعاني أصلاً لتوفير الطعام”.
وفي بيدوا، حيث تقع نورتا وعدان، ارتفع سعر الأرز من 0.75 دولار للكيلوغرام إلى دولار واحد للكيلوغرام، وفقًا لبيانات رصدتها منظمة ميرسي كوربس، خلال جفاف الصومال الكارثي.
ومع كثرة الأزمات العالمية الراهنة، ثمة مخاوف كبيرة من أن تتراجع الصومال أكثر في سلم أولويات التمويل لدى الشركاء الدوليين، الذين يعاني الكثير منهم بالفعل من فتور كبير في الدعم المالي للأزمة الإنسانية المزمنة في الصومال.
وأوضح علي محمد عمر، وزير الدولة للشؤون الخارجية الصومالي، أن تتنافس الأزمات العالمية حتماً على الاهتمام، لكنّ الأهمية الاستراتيجية للصومال تبقى واضحة. فالاستقرار في الصومال رغم جفاف الصومال الكارثي يُسهم بشكلٍ مباشر في الأمن البحري، وجهود مكافحة الإرهاب، والترابط الاقتصادي الإقليمي.
ومن المفارقات، أنّه في حين قد يتمّ تجاهل احتياجات الصومال الإنسانية بشكلٍ متزايد، فقد حظي الصومال مؤخراً باهتمامٍ كبير في مجالاتٍ أخرى.
قد يهمك: غلمدغ تحذر من آثار الجفاف، على المجتمعات والماشية في إقليم مدغ
ففي ديسمبر/كانون الأول، أعلنت إسرائيل اعترافها الرسمي بدولة أرض الصومال الانفصالية، التي تُدير شؤونها بشكلٍ مستقل منذ 30 عاماً كجمهوريةٍ مُعلنة من جانبٍ واحد. بالنسبة لإسرائيل، مثّلت هذه الخطوة تعزيزاً استراتيجياً لنفوذها في منطقة البحر الأحمر، لكن عشرات الدول في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي انتقدت هذه الخطوة المفاجئة، معتبرةً إياها مُعرِّضةً للخطر أكثر في منطقة غير مستقرة أصلاً.
قال الوزير علي محمد عمر: “موقف الصومال واضح: أرض الصومال جزء من الأراضي السيادية لجمهورية الصومال الفيدرالية. وأي اعتراف أحادي الجانب يُعد انتهاكاً لسيادة الصومال ووحدة أراضيها”.
ثمّة أيضاً هوس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الواضح بالصومال وجاليته في الخارج، من خلال تصريحاته العنصرية المتكررة التي يسخر فيها من “قطاع الطرق الصوماليين” الذين يسرقون الأموال، أو يشكك في “معدل ذكاء” الشعب الصومالي. ويبدو أن هذه التصريحات الحادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكراهيته للنائبة إلهان عمر من ولاية مينيسوتا، وهي سياسية صومالية أمريكية تقدمية بارزة في واشنطن.
تراجع التقدم التنموي
يشعر العاملون في مجال التنمية في الصومال، والذين بذلوا جهوداً مضنية على مدى سنوات طويلة، بإحباط شديد إزاء تراجع الجهود المبذولة على المدى البعيد لبناء قدرات الصومال كدولة مكتفية ذاتياً وسط جفاف الصومال الكارثي، حيث باتت هذه الجهود مهددة بالضياع نتيجةً لانسحاب الجهات المانحة من تقديم المساعدات.
وتشمل أبرز إنجازات الصومال إصلاحات مالية ساهمت في خفض الدين الخارجي للبلاد من 64% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018 إلى أقل من 6% بحلول نهاية عام 2023. كما تم سنّ تشريعات لمكافحة الفساد على المستويين الوطني والإقليمي، في حين تشهد العاصمة الصومالية مقديشو نمواً ملحوظاً في الطبقة الوسطى.
وقال الوزير علي محمد عمر: “على مدى العقد الماضي، أعدنا بناء المؤسسات، وعززنا التعاون الأمني، ونفذنا إصلاحات اقتصادية، وحققنا تخفيفاً تاريخياً للديون. إن الصومال يمر بمرحلة مهمة في مسيرة تعافيه، وسيساعد استمرار التعاون الآن على ترسيخ هذه المكاسب، وسيمكن الصومال من الانتقال من إدارة الأزمات إلى التنمية المستدامة”.

أولغا بيترينياك، المديرة الأولى لشؤون المرونة في منظمة ميرسي كوربس شرق أفريقيا، من بين الذين يخشون من ضياع كل هذا التقدم وسط جفاف الصومال الكارثي.
قد يعجبك: الجفاف يهدد الأمن الغذائي الوطني، اجتماع وطني لمواجهة التحديات
وقالت: “من المهم حقاً أن يدرك العالم أن الصومال ليس – إن صح التعبير – دولة فاشلة. فالصومال لديها خطة تحول وطنية طموحة للغاية، وهدف مناخي طموح للغاية، وكلاهما يرشدها على مسار طويل الأمد نحو التنمية المستدامة، مما سيقلل في نهاية المطاف من اعتمادها على المساعدات”.
وأضافت: “وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون الصومال قادراً على التعامل مع هذه الأزمات الإنسانية المتكررة، مثل جفاف الصومال الكارثي، فإذا توقفت الدول المانحة عن توفير شبكة أمان إنسانية، فهناك خطر من أن يتراجع الصومال عن خطته التنموية، وأن يضيع التقدم الهائل الذي أحرزه”.






