يعد القطاع الصحي في الصومال، واحداً من أبرز الملفات الشائكة في البلاد، في ظل تدهور أوضاع المساعدات الإنسانية، ومعاناة الجفاف المستمرة، ما تسبب في ظهور العديد من الأمراض والأوبئة داخل البلاد. لهذا سرعان ما بدأت الحكومة في إطلاق استراتيجية جديدة تهدف للارتقاء بهذا القطاع قبل فوات الآوان.
الحكومة الفيدرالية تطلق استراتيجية القطاع الصحي في الصومال
أطلقت الحكومة الفيدرالية الصومالية، الثلاثاء الماضي، استراتيجية الصحة المجتمعية الصومالية 2025-2029، وهي سياسة رائدة تهدف إلى تعزيز نظام الرعاية الصحية الأولية في البلاد وتسريع التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة.
لا يزال الصومال يواجه تحديات صحية جسيمة، بما في ذلك بعض أعلى معدلات وفيات الأمهات والأطفال في العالم، وانتشار سوء التغذية، وانخفاض معدلات التغطية بالتحصين، وتفشي الأمراض بشكل متكرر مثل شلل الأطفال والحصبة. وتستجيب الاستراتيجية الجديدة لهذه التحديات بشكل مباشر من خلال توسيع نطاق رعاية الأم والوليد، وتحسين الكشف المبكر عن أمراض الطفولة وعلاجها، وتوسيع نطاق فحص التغذية ودعمها، وزيادة حملات التحصين، وتعزيز ترصد الأمراض على مستوى المجتمع.
تعرف المزيد على: أزمة صامتة تطرق أبواب الطفولة: التأثير المدمر لوسائل التواصل على الصحة النفسية للأطفال
شراكات دولية للارتقاء بالمستوى الطبي في البلاد بحلول 2030
وتقود هذه الاستراتيجية وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الفيدرالية، وقد طُوّرت بالشراكة الوثيقة مع اليونيسف، ومنظمة الصحة العالمية، والبنك الدولي، والصندوق العالمي، والمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وشركاء التنمية، والمجتمع المدني، وممثلي المجتمع، وهي تُرسّخ نظامًا وطنيًا متكاملًا للرعاية الصحية المجتمعية.
يرتكز هذا النظام على قوة عاملة صحية مجتمعية محترفة، تعمل لدى الحكومة، بقيادة عاملات صحيات مدربات ومعتمدات لتقديم الخدمات الأساسية مباشرةً للأسر. وتُعدّ العاملات الصحيات حلقة الوصل الرئيسية بين الأسر ومرافق الرعاية الصحية الأولية، مما يُمثل تحولاً جوهرياً من النهج المجزأة التي تعتمد على الشركاء إلى نظام موحد بقيادة الحكومة. وتستند هذه الاستراتيجية إلى خطة وطنية واحدة، وقيادة واحدة، وتنفيذ منسق من قِبل وزارة الصحة. كما تُسهم في تحقيق هدف أفريقيا القاري المتمثل في بناء قوة عاملة صحية مجتمعية قوامها مليونا شخص بحلول عام 2030.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور علي حاجي آدم أبو بكر، وزير الصحة والخدمات الإنسانية الاتحادي: “لطالما عانى القطاع الصحي في الصومال من التجزئة، حيث توزعت الجهود بين شركاء مختلفين، وكوادر مختلفة، وتلقّى تدريبات متباينة. واليوم، نبدأ فصلاً جديداً: نظام صحي واحد، وقوة عاملة واحدة، ونهج منسق واحد لخدمة كل أسرة صومالية”.
وأضاف أبو بكر: “على مدى السنوات الخمس المقبلة، سنعمل على توحيد جميع كوادر الصحة المجتمعية ضمن نموذج العاملة الصحية النسائية، لضمان حصول كل أسرة، مهما كانت نائية، على خدمات صحية عالية الجودة وخاضعة للمساءلة”.

لحظة فارقة في القارة السمراء بأكملها
وصف الدكتور جان كاسيا، المدير العام لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا، إطلاق هذه المبادرة بأنه لحظة فارقة للقارة. وأضاف: “من خلال الاستثمار في كوادر صحية مجتمعية متخصصة ومتكاملة، تُبرهن الصومال على أنه حتى في ظل الظروف المعقدة، من الممكن بناء أنظمة صحية مرنة وعادلة بقيادة حكومية. وستواصل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا دعم الصومال من خلال المساعدة التقنية، والأدوات القارية، وتبادل الخبرات بين الدول الأعضاء”.
اقرأ كذلك: الصحة الفيدرالية تعزز التوعية بالجلوكوما
وقال الدكتور كامل محمد علي، ممثل منظمة الصحة العالمية في الصومال: “تُمثل استراتيجية الصحة المجتمعية في الصومال التزامًا بأحد أهم مبادئ الرعاية الصحية الأولية: ضرورة وصول الخدمات الأساسية إلى الناس في أماكن سكنهم”.
غالباً ما يُمثّل العاملون الصحيون المجتمعيون حلقة الوصل الأولى والأكثر ثباتاً بين الأسر والنظام الصحي. ومن خلال تطوير هذه الكوادر وتوسيع نطاقها تحت قيادة الحكومة، تُعزّز الصومال الكشف المبكر عن الأمراض، والتحصين، ورعاية الأمهات والأطفال. وتفخر منظمة الصحة العالمية بالوقوف جنبًا إلى جنب مع الحكومة والشركاء في ترجمة هذه الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة للمجتمعات في جميع أنحاء البلاد.

استثمارات حقيقية في الصومال من أجل الأطفال وأسرهم
وقال نزار سيد، المسؤول عن مكتب اليونيسف في الصومال: “يُعدّ الاستثمار في القطاع الصحي في الصومال من أقوى الاستثمارات التي يُمكن للصومال القيام بها من أجل الأطفال وأسرهم. ومن خلال تعزيز الكوادر الصحية المجتمعية، ستُقرّب هذه الاستراتيجية الخدمات الأساسية من الأسر. وستواصل اليونيسف دعم حكومة الصومال في دمج القطاع الصحي في الصومال، وبالأخص الصحة المجتمعية في مختلف القطاعات لضمان بقاء كل طفل ونموه”.
قد يعجبك: الصحة النفسية في الصومال.. صرخة لا تسمع
ويُمثّل إطلاق استراتيجية الصحة المجتمعية في الصومال 2025-2029 خطوةً هامة نحو بناء نظام صحي مرن ومتمحور حول الإنسان، قادر على الوصول إلى كل أسرة صومالية.

من خلال تعزيز العاملين الصحيين المجتمعيين وربط المجتمعات بالخدمات الأساسية، ترسي الصومال الأساس لأسر أكثر صحة، وأنظمة صحية أقوى، ونتائج صحية محسنة مدعومة بتمويل محلي مستدام وإضفاء الطابع المؤسسي طويل الأجل على الصحة المجتمعية ضمن الأنظمة الوطنية.






