استثمرت دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل كبير في تطوير البنية التحتية البحرية في الصومال، خاصةً عبر شركة موانئ دبي العالمية، التي ركزت جهودها على موانئ بربرة وبوساسو الحيوية. هذه الاستثمارات لم تكن مجرد مشاريع اقتصادية، بل أصبحت محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل في مناطق متعددة بالصومال.
رغم التوترات السياسية المحيطة بتطلعات استقلال أرض الصومال، أثبتت هذه الاستثمارات فعاليتها، وساهمت في تعزيز التكامل الإقليمي وربط الصومال بالشبكات التجارية العالمية، مما يجعل استثمارات الإمارات في الصومال محورًا أساسيًا لفهم مسار التنمية الاقتصادية في البلاد.
ميناء بربرة: بوابة أفريقيا وأوروبا

في عام 2018، أعلنت موانئ دبي العالمية عن استثمار بقيمة 440 مليون دولار أمريكي لتطوير ميناء بربرة، متحدية العقبات السياسية المحيطة بمحاولات أرض الصومال للاستقلال. هذا الاستثمار لم يقتصر على تطوير الأرصفة والمنشآت البحرية، بل شمل تحسين نظم النقل والخدمات اللوجستية، مما زاد من قدرة الميناء على استقبال السفن التجارية وتسهيل التجارة الإقليمية.
تبلغ الكثافة السكانية في بربرة أكثر من 600 ألف نسمة، حيث يستفيد نحو نصفهم من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن توسع الميناء. وقد ساهم تطوير ميناء بربرة في جذب استثمارات أجنبية مباشرة، وتعزيز التكامل الاقتصادي مع أوروبا وأفريقيا، فضلًا عن تحسين سلاسل التوريد العالمية.
كما يعزز الميناء قدرة الصومال على تنويع خيارات النقل والتجارة، مما يسهم في استقرار الأسواق ويخلق بيئة أعمال مواتية للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
ميناء بوساسو: دعم الازدهار في بونتلاند

تواصل استثمارات الإمارات في الصومال عبر تطوير ميناء بوساسو في بونتلاند، الذي شهد توسعًا كبيرًا بعد توقيع اتفاقية بين موانئ دبي العالمية وحكومة بونتلاند في عام 2022، واستكمال المشروع في عام 2023. شمل التطوير إنشاء أرصفة جديدة وساحات للحاويات، ما عزز قدرة الميناء على مناولة السفن واستقطاب المزيد من الرحلات المباشرة من الموانئ الإقليمية.
حفز هذا المشروع النمو الاقتصادي في بونتلاند، إذ وفر أكثر من 2000 فرصة عمل جديدة، وخلق بيئة أعمال نشطة شملت افتتاح متاجر ومطاعم جديدة. كما زاد من إيرادات الحكومة المحلية وساهم في تحسين مستوى المعيشة لسكان بوساسو الذين يبلغ عددهم نحو مليون نسمة.
ميناء بوساسو اليوم يُعتبر بوابة للتجارة الإقليمية، ويعكس الدور الحيوي للاستثمارات الإماراتية في دعم الاقتصاد المحلي، بما يجعل استثمارات الإمارات في الصومال عنصرًا أساسيًا في تعزيز التنمية المستدامة.
ميناء غاراكاد: مشروع صومالي بامتياز

على خلفية النجاحات التي حققها كل من ميناءي بربرة وبوساسو، بدأت بونتلاند في تطوير ميناء غاراكاد، وهو مشروع محلي ممول من الحكومة ومجتمع الأعمال الصومالي. يُتوقع أن يعزز هذا المشروع الاقتصاد المحلي والمناطق المجاورة مثل غالمودوغ وSSC-خاتومو، فضلاً عن مناطق هيران وشبيلي الوسطى.
إلا أن تحقيق إمكانات ميناء غاراكاد يعتمد على التعاون بين بونتلاند وصوماليلاند والمناطق الأخرى لضمان طرق آمنة للبضائع وبناء بنية تحتية لوجستية حديثة. كما يشكل التهديد الأمني من الجماعات الإرهابية تحديًا رئيسيًا أمام نجاح المشروع، إلا أن تطوير موانئ بحرية موثوقة يمثل بصيص أمل لتحقيق ازدهار اقتصادي مستدام.
الشراكة الإماراتية في تطوير قطاع الصيد والبنية التحتية

عززت استثمارات الإمارات في الصومال جهود التنمية المستدامة عبر قطاع الثروة السمكية والبنية التحتية البحرية، وذلك من خلال توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الثروة السمكية والاقتصاد الأزرق الصومالية ومجموعة موانئ أبوظبي.
تتضمن الاتفاقية تطوير مرافق الصيد، إنشاء موانئ صيد جديدة، تطوير أنظمة المراقبة البحرية، وإطلاق برامج تدريبية للصيادين الصوماليين، بهدف تمكين المجتمعات الساحلية وتحسين دخلها واستدامة مواردها الطبيعية.
صرح الكابتن محمد جمعة الشامسي، الرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ أبوظبي، قائلًا: “هدفنا بسيط ولكنه عميق، من خلال تطوير البنية التحتية الأساسية، نساعد في تعزيز النمو المستدام وتمكين المجتمعات المحلية وتأمين فرص اقتصادية جديدة.”
هذه المبادرة تُظهر أن استثمارات الإمارات في الصومال تتجاوز مجرد مشاريع الموانئ، لتشمل تعزيز الاقتصاد الساحلي وتمكين المجتمع المحلي.
تعزيز التعاون السياسي والأمني
تلعب الإمارات دورًا محوريًا في دعم الأمن والاستقرار في الصومال، حيث وقعت الدولتان اتفاقية للتعاون العسكري والأمني لمكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات القوات الصومالية. ويأتي هذا التعاون في إطار مبادئ المساواة والسيادة، ويهدف إلى حماية الأمن الوطني وضمان الاستقرار السياسي، بما يعكس عمق العلاقات الثنائية بين البلدين.
صرح نائب وزير الخارجية الصومالي علي بلقاد أن “العلاقات السياسية بين الصومال والإمارات في وضع جيد، ويمتد التعاون إلى مجالات الأمن والتنمية الاقتصادية”، مؤكدًا أن الشراكة الإماراتية أساسية في جهود الصومال لتعزيز الحوكمة والنمو الاقتصادي.
مشاريع التنمية والبنية التحتية

بالإضافة إلى الموانئ، تدعم الإمارات مشاريع إعادة الإعمار في الصومال، مثل تطوير الطرق، تحسين الخدمات اللوجستية، وتمويل مشاريع الطاقة والبنية التحتية. هذه المشاريع تعزز الاقتصاد المحلي وتوفر فرص عمل إضافية، كما تساهم في خلق بيئة مستدامة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
وأكد رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، خلال اجتماع مع السفير الإماراتي أحمد جمعة الرميثي، التزام البلدين بتكثيف المبادرات المشتركة لتحسين سبل العيش وتعزيز مؤسسات الدولة، ما يعكس التزام استثمارات الإمارات في الصومال بالنمو المستدام.
استثمارات الإمارات في الصومال.. التحديات والفرص المستقبلية

رغم النجاحات الكبيرة، تواجه استثمارات الإمارات في الصومال تحديات سياسية وأمنية، خاصة فيما يتعلق بتطلعات استقلال أرض الصومال والتهديدات الإرهابية في وسط وجنوب البلاد. لكن هذه التحديات لم تمنع المستثمرين الإماراتيين من المضي قدمًا في مشاريعهم، بل حفزتهم على تطوير بنية تحتية أكثر متانة وكفاءة.
من ناحية أخرى، توفر هذه الاستثمارات فرصة لتعزيز التكامل الإقليمي، تحسين بيئة الأعمال، وزيادة إيرادات الدولة، ما يجعل الصومال أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية على المدى الطويل.
تعرف المزيد: الاستثمار في الصومال: نمو متسارع وقطاعات واعدة تعيد رسم المشهد الاقتصادي في 2025
شراكة مستدامة من أجل التنمية
يمكن القول إن استثمارات الإمارات في الصومال أصبحت محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي، وفرص العمل، والتكامل الإقليمي. من خلال تطوير ميناءي بربرة وبوساسو، وتعزيز قطاع الصيد والبنية التحتية، ساهمت الإمارات في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ووضع أسس للنمو المستدام.
وبينما يواصل الصومال التغلب على التحديات السياسية والأمنية، فإن المشاريع الإماراتية تمثل منارة أمل للتنمية الاقتصادية والازدهار، مؤكدة أهمية التعاون الإقليمي والدولي في دعم مستقبل البلاد.