اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز، يشكل الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وأرمينيا محطة مفصلية في توازنات جنوب القوقاز، إذ فتح الباب أمام تحولات استراتيجية تتجاوز قطاع الطاقة إلى حسابات النفوذ السياسي والاقتصادي في المنطقة. وفي أول تعليق رسمي، أكد الكرملين أن موسكو تحتفظ بعلاقات متبادلة المنفعة مع كل من أرمينيا وأذربيجان، مشددًا على أن البلدين يتمتعان بالسيادة الكاملة في اختيار شركائهما، بما في ذلك الولايات المتحدة. غير أن موسكو لم تُخفِ ثقتها بقدراتها، معتبرة أن خبرتها النووية تتفوق على نظيرتها الأميركية، وأن خدماتها أقل تكلفة وأكثر جاذبية.
موسكو تراقب وتؤكد الثقة

قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن روسيا وأرمينيا ترتبطان بعدد من المشاريع التكاملية التي تضمن استمرار التعاون بينهما، موضحًا أن موسكو تتابع عن كثب التطورات المتعلقة بالمشاريع النووية المدنية في يريفان. وأشار إلى أن شركة “روساتوم” الحكومية مستعدة للمضي قدمًا في مشروع إنشاء محطة نووية جديدة في أرمينيا بسرعة وكفاءة، إذا ما رغبت الحكومة الأرمينية في ذلك.
ويأتي هذا الموقف في وقت حساس، حيث يُنظر إلى اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز باعتباره اختبارًا لمدى قدرة روسيا على الحفاظ على موقعها التقليدي في منطقة تعتبرها مجالًا حيويًا لنفوذها.
اتفاقية 123 وبداية فصل جديد
الاتفاق الذي وُقع خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى يريفان يستند إلى ما يُعرف بـ”اتفاقية 123”، وهي إطار قانوني يتيح للولايات المتحدة نقل التكنولوجيا والمعدات النووية إلى دول أخرى للأغراض السلمية. وأعلن فانس أن الاتفاقية قد تفتح المجال أمام صادرات أميركية مبدئية تصل إلى خمسة مليارات دولار، إضافة إلى عقود وقود وصيانة طويلة الأجل بقيمة أربعة مليارات دولار.
من جانبه، وصف رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان الاتفاق بأنه خطوة ستفتح فصلًا جديدًا في توطيد الشراكة بين بلاده وواشنطن في مجال الطاقة. ويعكس ذلك إدراكًا أرمينيًا متزايدًا بأن اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز لا يقتصر على الجانب التقني، بل يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية بعيدة المدى.
تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد

لطالما اعتمدت أرمينيا على روسيا وإيران في تلبية احتياجاتها من الطاقة، إلا أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة دفعت يريفان إلى البحث عن بدائل. وتدرس الحكومة عروضًا من شركات أميركية وروسية وصينية وفرنسية وكورية جنوبية لبناء مفاعل جديد يحل محل محطة “ميتسامور” المتقادمة، التي شيدها الروس وتُعد المحطة النووية الوحيدة في البلاد.
ويرى محللون أن اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز يمثل بالنسبة لأرمينيا فرصة لتنويع شركائها وتقليل الاعتماد الأحادي على موسكو، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب في أوكرانيا التي أثرت على صورة روسيا كضامن أمني واقتصادي مستقر.
ضربة محتملة لنفوذ موسكو
رغم تأكيد الكرملين احترامه لسيادة أرمينيا، فإن اختيار مشروع أميركي لبناء المحطة الجديدة قد يُعد ضربة مباشرة للنفوذ الروسي. نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل جالوزين شدد على أن المقترح الروسي هو “الخيار الأمثل”، مؤكدًا أن “روساتوم” تمتلك تقنيات موثوقة ومعايير مالية جذابة لا بدائل حقيقية لها.
في هذا السياق، يبدو أن اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز يتجاوز المنافسة التجارية إلى صراع هادئ على تثبيت موطئ قدم استراتيجي في منطقة تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى.
السلام والممرات الاستراتيجية
تزامن الاتفاق مع جهود أميركية أوسع لتعزيز الاستقرار في المنطقة، بعد توقيع اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان برعاية واشنطن قبل أشهر. كما دفع فانس بمشروع “طريق ترامب الدولي للسلام والازدهار”، وهو ممر بطول 43 كيلومترًا عبر جنوب أرمينيا يربط أذربيجان بجيب ناخيتشيفان ومن ثم بتركيا.
هذا المشروع، الذي يشمل خطوط سكك حديدية وأنابيب نفط وغاز وكابلات ألياف ضوئية، من شأنه تحسين الربط بين آسيا وأوروبا وتجاوز روسيا وإيران، في إطار مساعٍ غربية لتنويع طرق الطاقة والتجارة. ويعزز ذلك الانطباع بأن اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز جزء من رؤية أوسع لإعادة هندسة الممرات الاستراتيجية في المنطقة.
جدل سياسي يواكب الزيارة
لم تخلُ زيارة فانس من جدل سياسي، بعدما حذف البيت الأبيض منشورًا على منصة “إكس” وصف مجازر الأرمن عام 1915 بأنها “إبادة جماعية”، موضحًا أن النشر تم عن طريق الخطأ. وأكدت الإدارة الأميركية أن الحذف لا يعكس تغييرًا في السياسة الرسمية، بينما تواصل تركيا رفضها استخدام هذا المصطلح.
ويبرز هذا الجدل حساسية التوازنات الإقليمية، في وقت يشير فيه مراقبون إلى أن اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز يتقاطع مع ملفات تاريخية وسياسية معقدة تتجاوز الطاقة.
لمعرفة المزيد: تطبيقات تجاوز ضريبة الهاتف في مصر.. بين الوهم والحقيقة
صورة خاتمةاتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز

في المحصلة، يقف جنوب القوقاز أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة التموضع الاستراتيجي. أرمينيا تسعى لتنويع علاقاتها وتعزيز استقلال قرارها، والولايات المتحدة تطمح لتوسيع حضورها، فيما تتمسك روسيا بخبرتها ونفوذها التقليدي. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبدو أن اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز قد يكون الشرارة التي تحدد شكل التوازنات الإقليمية في السنوات المقبلة.






